ابن عرفة
353
تفسير ابن عرفة
سورة قل يا أيها الكافرون قال عرفة : القرآن كله مأمور بقوله وتبليغه وتخصيص ما خصص منه بالأمور بقوله لَا * قرين إما تعظيما لأمره أو تهويلا لحاله واعتناء بشأنه ، وإما لأنه هو جواب عن سؤال مقدر كما قال وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [ سورة طه : 105 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ سورة الإسراء : 85 ] فهذه الآية على أن الكفار طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم أن يعبد آلهتهم ويعبدوا هم آلهتنا فقال : " معاذ اللّه أن نشرك بالله شيئا " ، قالوا : ما [ . . . ] نصدقك ونعبدك [ . . . ] فنزلت السورة . قوله تعالى : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ . هذه حقيقة وصفية ، أي لا أعبد ما أنتم عابدونه من حيث كفارا ، قيل لابن عرفة : أنهم كانوا يشركون بالله ، قال وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ سورة الزخرف : 87 ] فهل عابدون اللّه ؟ قال : لا يصدق عليهم ذلك ، وإنما المعنى لا أعبد ما تعبدونه من حيث إنكم كفار تشركون بالله ، ولا تؤاخذونه ، بل اعبدوا اللّه عبادة توحيد واختصاص ، قال : واختلفوا هل هذا التكرار تأسيس وتأكيد ؟ فمنهم من قال : أن المراد بالأول : الاستقبال ، وبالثاني : الحال فهو تأسيس ، وقيل : هما معا للاستقبال ، وهو تأسيس ؛ لأن الأول تضمنه نفي العبادة منه ، والثاني تضمن نفيها عنهم ، ونفي الشيء عن الشيء ليس هو نفيه عن غيره ، وأجاب بعضهم بأنه تأكيد لا يستلزم الأول له ؛ لأنه نفى عنه الذي سيعبدونه في المستقبل عن العموم ، فيتناول كل معبوداتهم في المستقبل على الإطلاق ، وقد يتوهم أنهم يسلمون في المستقبل ، فعبادتهم في المستقبل يلزم منهم عدم إسلامهم في المستقبل ، وأنهم لا يعبدون في المستقبل الأصنام بقوله وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ تأكيد بهذا الاعتبار إلا أنه ليس صريح بل مستفاد من اللزوم ، فإن قلت : الجملة الأولى قابل فيها مضارعين بمضارعين ، والجملة الثانية قابل فيها ماضيا بمضارع فما [ . . . ] في ذلك ، وأجاب الزمخشري : فيه إساءة أدب ، قال : لأن النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم لم يكن في ابتداء أمره يعبد اللّه عز وجل ، والكفار لم يزالوا في بدايتهم يعبدون الأصنام ، ورده شيخنا ابن عرفة ، بأن أكثر الأصوليين قالوا بأنه لم يزل متشرعا بشريعة إبراهيم عليه السّلام ، قال : وإنما الذي عادتهم يجيبون به : أن عبادة الأصنام لما كانت مذمومة شرعا أتى بلفظ الماضي الذي وقع وانقطع ، وعبادة اللّه تعالى لما كانت مطلوبة فرغب فيها شرعا ، أتى بها بلفظ المضارع الذي وقع ودام إشعارا بالحض على هذه ، وبالنهي